ابن قيم الجوزية
268
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى بدت نواجذه يقول هذا أدنى أهل الجنة منزلة فكيف بالذي فوقه ؟ » فالرب تعالى يريد من عبده الاعتراف والانكسار بين يديه والخضوع والذلة له والعزم على مرضاته * فما دام أهل النار فاقدين لهذا الروح فهم فاقدون لروح الرحمة فإذا أراد عز وجل أن يرحمهم أو من يشاء منهم جعل في قلبه ذلك فتدركه الرحمة وقدرة الرب تبارك وتعالى غير قاصرة عن ذلك وليس فيه ما يناقض موجب أسمائه وصفاته وقد أخبر أنه فعال لما يريد * ( الوجه الثاني والعشرون ) أنه سبحانه قد أوجب الخلود على معاصي من الكبائر وقيده بالتأبيد ولم يناف ذلك انقطاعه وانتهاءه ( فمنها ) قوله تعالى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً ( ومنها ) قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا » وهو حديث صحيح * وكذلك قوله في الحديث الآخر في قاتل نفسه « فيقول اللّه تبارك وتعالى بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة » وأبلغ من هذا قوله تعالى وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً فهذا وعيد مقيد بالخلود والتأبيد مع انقطاعه قطعا بسبب من العبد وهو التوحيد * فكذلك الوعيد العام لأهل النار لا يمتنع انقطاعه بسبب ممن كتب على نفسه الرحمة وغلبت رحمته غضبه ، فلو يعلم الكافر بكل ما عنده من الرحمة لما يئس من رحمته كما في صحيح البخاري عنه صلى اللّه عليه وسلم : « خلق اللّه الرحمة يوم خلقها مائة رحمة ، وقال في آخره فلو يعلم الكافر بكل الذي عند اللّه من الرحمة لم ييأس من الجنة ، ولو يعلم المسلم بكل الذي عند اللّه من العذاب لم يأمن من النار » ( الوجه الثالث والعشرون ) أنه لو جاء الخبر منه سبحانه صريحا بأن عذاب النار لا انتهاء له وأنه أبدي لا انقطاع له ، لكان ذلك وعيدا منه سبحانه واللّه تعالى لا يخلف وعده * وأما الوعيد فمذهب أهل السنة كلهم أخلافه كرم وعفو وتجاوز يمدح الرب تبارك وتعالى به ويثني عليه به فإنه حق له إن شاء تركه وإن شاء استوفاه والكريم لا يستوفي حقه فكيف بأكرم الأكرمين ؟ ! ! وقد صرح سبحانه في كتابه في غير موضع بأنه لا يخلف وعده ولم يقل في موضع واحد لا يخلف وعيده ، وقد روى أبو يعلى الموصلي حدثنا هدبة بن خالد حدثنا سهيل بن أبي حزم حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من وعده اللّه على عمل ثوابا فهو منجزه ، ومن أوعده على